المنجي بوسنينة

373

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

كان يعنى بشؤون جميع الناس من مسيحيين ومسلمين ويهود . ولكنه عندما وجد صعوبة تحقيق هدفه في رأب الصدع بين المسيحيين ، ويئس من جمود السلطات الكنسية ، ولم يتمكن من تحقيق الإصلاحات التي ابتغاها ، عاد إلى دير مار سابا يتابع دراساته اللاهوتية ومواعظه . ويقول بعض المؤرخين إن البطريرك ثاودوريطس استهجن أسلوب أبي قرة في مخالطة الأمراء والفقهاء المسلمين ، وفي تجوله الدائم خارج أبرشيته ، فأوقفه عن إدارة تلك الأبرشية . ولكن البطريرك أيوب ، خليفة ثاودوريطوس ، أعاد أبا قرة إلى أبرشيته في حران ، حيث التقى الخليفة المأمون عام 824 م . أما بالنسبة إلى تاريخ وفاته فإن الباحثين يتأرجحون في تحديده بين عامي 820 و 830 م . لم ينحصر نشاط أبي قرة في البيئة المسيحية ، إذ إنه استفاد من الانفتاح الفكري الذي أتاحه الخليفتان هارون الرشيد والمأمون ، فأخذ يتقرب من الأوساط الإسلامية المثقفة ، ويخالطها ويناقش معها العديد من القضايا الفلسفية واللاهوتية . وفي مواقفه تلك ، لم يكن يتصدى بالنقد للعقيدة الإسلامية ، بل كان يقوم بإيضاح دفاعي للإيمان المسيحي ، ويصوغه في مقالات موجهة إلى المثقفين المسلمين ، فيضمنها أجوبة على الاعتراضات التي كان يثيرها بعضهم أمامه على عدد من مبادئ العقيدة المسيحية . ولذلك غلبت على كتاباته القضايا المشتركة بين الديانتين ، بحيث أخذ الجدال يثار حولها في مدارس البصرة وبغداد . أما الموضوعات التي كان يطرحها فكانت تتعلق عموما بحرية الإنسان ، وخلق كلام الله ، وصفات الله ، وتشبيه الله أو تنزهه عن التشبيه . وفي كل هذه المواقف والكتابات ، كانت تبرز نزعته العقلانية في ثقته بالعقل ، وطموحه إلى ترسيخ ديانة تتوافق ومعطيات العقل . من هنا ، كان هناك شبه عميق بينه وبين المعتزلة ، الذين كانوا يتمتعون بمكانة مميزة لدى الخليفة المأمون . ويظن المؤرخون أنه التقى بأبي هذيل العلاف المعتزلي ( 752 - 840 م ) وبالنظّام المعتزلي الذي توفي ما بين سنة 835 وسنة 845 م . أما آخر أيام أبي قرة فقد قضاها ، على الأرجح ، في أبرشيته حران حوالي عام 825 م . إن هدفه الأول هو الدفاع عن الإيمان المسيحي ، وكان يجمع في شخصه بين الفيلسوف واللاهوتي ، بحيث تتعلق المسائل التي يطرحها بهذين المجالين معا . أسلوبه يقترب من القياس الفلسفي المنطقي ومن التأمل اللاهوتي . ولذلك فإن مؤرخ اللاهوت يجد فيه حلقة تربط بين آباء الكنيسة القديسين ( كليمان وأوريجين واوغسطينوس ) واللاهوت السكولاستيكي في الغرب . ومؤرخ الفلسفة يجد فيه إحدى المحاولات الأولى للتوفيق بين الارسطوطالية والمسيحية ، تلك المحاولة التي ستبلغ أوجها في مؤلفات القديس توما الاكويني . ولكنه ، من جهة أخرى ، لم يكن يهدف إلى البحث الفلسفي ، ولا إلى التعمق في اللاهوت . ولم يكن يهدف إلى استقصاء سر الوجود والكيان الإنساني على ضوء العقل ، ولا كشف المعاني الكامنة في كلام الله والحياة الدينية . صحيح أنه تطرق إلى كل ذلك ، ولكن ذلك كان وسيلة لبلوغ هدف أبعد من ذلك : إنه الإيمان ضمن كنيسة المسيح . هذا الإيمان هو انصياع حر لكلام الله ، بإنارة الروح القدس . وهو يفوق أي معرفة فلسفية